القرطبي

54

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله : " ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم " ، ويدخل في ذلك تعظيم المواضع ، قاله ابن زيد وغيره . ويجمع ذلك أن تقول : الحرمات امتثال الامر من فرائضه وسننه . وقوله : ( فهو خير له عند ربه ) أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشئ منها . وقيل : ذلك التعظيم خير من خيراته ينتفع به ، وليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير . الثانية - قوله تعالى : ( وأحلت لكم الانعام ) أن تأكلوها : وهي الإبل والبقر والغنم . ( إلا ما يتلى عليكم ) أي في الكتاب من المحرمات ، وهي الميتة والموقوذة وأخواتها . ولهذا اتصال بأمر الحج ، فإن في الحج الذبح ، فبين ما يحل ذبحه وأكل لحمه . وقيل : " إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم " ( 1 ) الثالثة - قوله تعالى : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) الرجس : الشئ القذر . الوثن : التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها ، وكانت العرب تنصبها وتعبدها . والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضا . وقال عدى ابن حاتم : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : ( ألق هذا الوثن عنك ) أي الصليب ، وأصله من وثن الشئ أي أقام في مقامه . وسمى الصنم وثنا لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه . يريد اجتنبوا عبادة الأوثان ، روى عن ابن عباس وابن جريج . وسماها رجسا لأنها سبب الرجز وهو العذاب . وقيل : وصفها بالرجس ، والرجس النجس فهي نجسة حكما . وليست النجاسة وصفا ذاتيا للأعيان وإنما هي وصف شرعي من أحكام الايمان ، فلا تزال إلا بالايمان كما لا تجوز الطهارة إلا بالماء . الرابعة - ( من ) في قوله : " من الأوثان " قيل : إنها لبيان الجنس ، فيقع نهيه عن رجس ( 2 ) الأوثان فقط ، ويبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع . ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية ، فكأنهم نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم ، إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس . ومن قال إن " من " للتبعيض ، قلب معنى الآية وأفسده .

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 31 . ( 2 ) في ك : جنس الأوثان .